المجمع العالمي لأنساب آل البيت
المجمع العالمي لأنساب آل البيت
الثلاثاء 21 نوفمبر 2017

جديد الصور
جديد المقالات
جديد الأخبار


جديد الصور

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

02-08-2011 10:17 PM

الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حقّ الجهاد، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، أخرجنا من وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أيها الأخوة الكرام، مع السبع الموبقات التي حذر منها النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: (( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ )) . [ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
هذه السبع الموبقات، نكتفي من هذه الموبقات بالكبيرة الثانية ألا وهي السحر.
أيها الأخوة الكرام، السحرُ عالم عجيب تختلط فيه الحقيقة بالخرافة، والعلم بالشعوذة، كما تختلط الدوافعُ والبواعث بالغايات والأهداف، وهو عالم ظاهرهُ جميلُ خلاب يفتن القلوب البسطاء، ويخدعُ السذج والرعاع، وباطنه قذر عفن، يتجافى عنه أولو الألباب، وينأى عنه أصحابُ القلوب المستنيرة، والفطر السليمة، وتاريخ السحر تاريخٌ أسود قاتم، فهو خدعة شيطانية يضلُّ بها شياطين الإنس والجن عبادَ الله، فيوقعونهم بالسحر في أعظم جريمة، هي الكفرِ والشرك والضلال، من الكبائر.
((ليس منا من سحر أو سحر له،أو تكهن أو كهن)). [الطبراني عن عمران بن حصين، وأبي نعيم ]
ومن سحر كذب وكفر. أبعد هذا الوعيد من وعيد؟
تعريف السحر:
يُطلق السحر في لغة العرب على كل شيء خفي سببه، وقال أبو عبيد: أصلُ السحر صرفُ الشيء عن حقيقته إلى غيره،
قال عز وجل: ( فَأَنَّى تُسحَرُونَ ) [ سورة المؤمنون الآية : 89 ] .
أي فأنى تصرفون، وهذا الصرف قد يكون للعين التي ترى بخلاف الواقع، عين مسحورة، وقد يكون في القلب، فيحب بلا سبب ويبغض بلا سبب، معنى ذلك سحر.
وقد يكون هذا الصرف بالقول الحلال فهو البيان، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن البيان لسحرا )) [البخاري عَنْ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ] .
أما تعريف السحر في اصطلاح العلماء ـ علماء الدين ـ يقول الفخرُ الرازي: "اعلم أن لفظ السحر في عُرف الشرع مختص بكل
أمرٍ يخفى سببه، ويتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع".
وعرف السحر الإمام ابن قدامة، فقال: "السحر هو عُقد ورُقي وكلام يتكلم به الساحر، ويكتبه، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المسحور، أو قلبه، أو عقله، من غير مباشرة له، فمنه ما يقتل، وما يُمرض، وما يأخذُ الرجل عن امرأته، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، وما يبغضُ الإنسان بالآخر، أو يُحبب إلى إنسان آخر".
- حقيقة السحر :
حقيقة السحر، اتفاق بين الساحر والشيطان على أن يقوم الساحر بفعل الكفر والشرك، وكل ما هو محرم، مقابل أن يساعده الشيطان، وأن يعينه في كل ما يطلبه منه الساحر، وكلما ازداد الساحر كفراً بالله، وعبادة الشيطان، كلما ازداد الشيطان له طاعة، أما الكرامة فلا تكون إلا للولي، وأما المعجزة فلا تكون إلا للنبي، ويجمع بينهما الخارق للعادة.
أيها الأخوة الكرام، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "السحر يؤثر مرضاً، أو ثقلاً، أو عقلاً، أو حباً، أو بغضاً، أو نزيفاً، وهو موجود تعرفه عامة الناس، لكن الآية التي يطرب لها المؤمنون إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَنٌ )[ سورة الحجر الآية : 42 ].
وقوله تعالى : ( وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِإذنِ اللهِ ) سورة البقرة الآية : 102
- أنواع السحر :
بشكل دقيق السحر أنواع، منه ما ليس له حقيقة، ومنه ما هو تخيل لا حقيقة له، فالسحر الحقيقي هو الذي يعتمد فيه الساحر على الجن، والشياطين، وعباد الكواكب، والنجوم، وكلما ازداد الساحر كفراً، وزندقة، ازداد الجن والشيطان له طاعة ومعاونة، أما سحر التخيل الذي لا حقيقة له في الواقع مبني على الأخذ بالعيون، فترى الشيء على خلاف ما هو عليه، وهذا ما يسمى في علم النفس بالتنويم المغناطيسي .
السحر لا حقيقة له لكنه تخيل، يقول الحافظ بن كثير: "وإن سحر سحرة فرعون كان من هذا النوع"، وقد جاءت النصوص القرآنية صريحة بأنه كان تخيلاً وأخذاً بالعيون، قال تعالى: ( فَإذَا حِبَالُهُم وَعِصِيُّهُم يُخَيَّلُ إِلَيهِ سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعَى ) [ سورة طه الآية : 66 ] .
وفي قوله تعالى: ( فَلَمَّآ أَلقَوا سَحَرُوا أَعيُنَ النَّاسِ وَاستَرهَبُوهُم وَجَآءُو بِسِحرٍ عَظِيمٍ ) [ سورة الأعراف الآية : 116 ] .
لأن إيقاع السحر في أعين الناس يدل على أن أعينهم تخيلت غير الحقيقة الواقعة، ومن ثم نخلص إلى أن السحر منه ما هو حقيقي وما هو تخيل، والله أعلم .
- حكم السحر :
وعن حكم الساحر، فقد قال الحافظ بن حجر: وقد دلت آية البقرة وهي قوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) البقرة 102
من خلال هذه الآيات يتبين أن السحر كفر بوحدانية الله، ومتعلمة كافر أي الساحر، أما ما يتداول الناس :"تعلم السحر ولا تعمل به"، فليس حديثاً ولا أصل له.
إن حقيقة السحر أنه تعبّد للشياطين أو للكواكب، أما النوع الثاني الذي هو من باب الشعوذة فلا يكَّفر به أصلاً، لكن ينبغي أن نبتعد كلياً عن كل نشاط يتعلق بالسحر، ورد في بعض الأحاديث: "من أتى ساحراً فلم يصدقه لم تقبل له صلاة أربعين صباحاً ولا دعاء أربعين ليلة، أما إذا صدقه فقد كفر بما أنزل على محمد".
لذلك السحر كفر ومتعلمه كافر أي الساحر.
جاء الإسلام ليحفظ للناس دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم وعقولهم، وجعل هذه الضرورات الخمس قواعد الخلق في رعاية
مصالحهم ودفع مضارهم، فحرّم كل اعتداء عليها، فحرم الكفر والردة لإخلالها بأصل الدين، وحرم قتل النفس بغير حق، وحرّم الاعتداء على الأموال والأعراض والأنساب، وحرّم الاعتداء على العقول بكافة أنواع المسكرات الحسية والمعنوية .
والسحر لم يأت على قاعدة من هذه القواعد إلا وأفسدها، فالسحر والكفر قلما يفترقان، والسحر سبيل لتبذير المال وتضييعه، وهو مفسد للذرية بتفريق رباط الأسرة، وهو مدخل للزنا والاعتداء على الأعراض؛ وهو كذلك سبيل لاغتيال العقول وطمسها، فلا غرو حينئذ أن يقف الإسلام من السحر وأهله موقفا صارماً فقد حرم تعلمه وتعليمه، وأوجب كف الساحر عن سحره، وإقامة الحد عليه تطهيرا للمجتمع من شره ودجله، وحرم على الناس الذهاب إلى السحرة والاستعانة بهم .
وبين يديك أخي القارئ جملة من أحكام الشريعة الإسلامية، التي تبين لك كيف وقف الإسلام من السحر وأهله، وكيف تعامل
مع أعمالهم وإفسادهم .
حكم تعلم السحر وتعليمه :
اتفق العلماء على أن تعلم السحر وتعليمه وممارسته حرام، قال ابن قدامة - رحمه الله - في "المغني" "...فإن تعلُم السحر وتعليمه حرام لا نعلم فيه خلافاً بين أهل العلم" وقال الإمام النووي رحمه الله في "شرح مسلم": " وأما تعلمه – أي السحر - وتعليمه فحرام ".
ورغم اتفاقهم على حرمة تعلم السحر وتعليمه وممارسته إلا أنهم اختلفوا في تكفير فاعله، فذهب جمهور العلماء ومنهم مالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد وغيرهم إلى تكفيره .
وذهب الشافعي إلى التفصيل، فإن كان في عمل الساحر ما يوجب الكفر، كفر بذلك، وإلا لم يكفر.
واستدل الجمهور القائلون بكفر الساحر بقوله تعالى: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر } .
قال الحافظ في "الفتح": " فإن ظاهرها أنهم كفروا بذلك، ولا يكفر بتعليم الشيء إلا وذلك الشيء كفر، وكذالك قوله في الآية على لسان الملكين:
{ إنما نحن فتنة فلا تكفر } فإن فيه إشارة إلى أن تعلم السحر كفر فيكون العمل به كفرا وهذا كله واضح ".
واستدل الشافعية بما رواه أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ( اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ) متفق عليه . قالوا: دل الحديث على أن السحر ليس من الشرك بإطلاق، ولكن منه ما هو معصية موبقة كقتل النفس وشبهها .
واستدلوا أيضاً بما روي عن عائشة رضي الله عنها أن مدبَّرة لها سحرتها استعجالاً لعتقها فباعتها عائشة ولم تقتلها " رواه الشافعي والحاكم والبيهقي وصححه الحاكم على شرط الشيخين . قال ابن قدامة تعليقا على أثر عائشة : " لو كفرت لصارت مرتدة يجب قتلها ولم يجز استرقاقها " .
قال الشيخ الشنقيطي : " التحقيق في هذه المسألة – يعني تكفير الساحر - هو التفصيل . فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة " البقرة " فانه كفر بلا نزاع .. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر. هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء ."
- عقوبة الساحر :
اختلف أهل العلم في عقوبة الساحر فذهب الحنفية إلى أن الساحر يقتل في حالين:
الأول: أن يكون سحره كفرا, والثاني: إذا عرفت مزاولته للسحر بما فيه إضرار وإفساد ولو بغير كفر . وذهب المالكية إلى قتل الساحر, لكن قالوا: إنما يقتل إذا حكم بكفره , وثبت عليه بالبينة لدى الإمام ,
وعند الشافعية: إن كان سحر الساحر ليس من قبيل ما يكفر به, فهو فسق لا يقتل به، إلا إذا قتل أحداً بسحره عمداً فإنه يقتل به قصاصاً .
وذهب الحنابلة إلى أن الساحر يقتل حداً ولو لم يقتل بسحره أحدا, لكن لا يقتل إلا بشرطين: الأول: أن يكون سحره مما يحكم بكونه كفرا مثل فعل لبيد بن الأعصم , أو يعتقد إباحة السحر . الثاني: أن يكون مسلماً, فإن كان ذميا لم يقتل ; لأنه أقرَّ على شركه وهو أعظم من - السحر , ولأن ( لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله ) .
واستدل من رأى قتل الساحر بأنه مرتد، والمرتد كافر وحكمه القتل، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من بدل دينه فاقتلوه ) رواه البخاري .
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه كتب كتاباً قبل موته بسنة " أن اقتلوا كل ساحر وساحرة " قال الراوي: فقتلنا ثلاث سواحر في يوم . رواه أحمد وأبو داود .
كما روي قتل السحرة عن عدد من الصحابة منهم عثمان وابن عمر وأبي موسى وقيس بن سعد ، ومن التابعين سبعة منهم عمر بن عبد العزيز .
قال الشيخ الشنقيطي : " والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر ولم يقتل به إنسانا أنه لا يقتل . لدلالة النصوص القطعية ، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح . وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة مرفوعة غير ظاهر عندي. والعلم عند الله تعالى، مع أن القول بقتله مطلقا قوي جدا لفعل الصحابة له من غير نكير " .
- فك السحر بالسحر ( النشرة )
اتفق الفقهاء على أن حل السحر بالرقى والأوراد الشرعية جائز ومشروع، أما حل السحر بسحر مثله فمحرم؛ لأنه لا يخرج عن كونه سحراً محرماً كغيره من أنواع السحر،
قال ابن القيم : حل السحر بسحر مثله من عمل الشيطان, فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل العمل عن المسحور، ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن النشرة ؟ فقال : ( هي من عمل الشيطان ) ذكره أحمد وأبو داود .
هذه بعض أحكام السحر تعلماً وتعليماً وممارسةً وهي أحكام صارمة، القصد منها التنفير عن هذا الفعل الشنيع واجتنابه، وحماية الناس من شره ومفاسده، فكم جلب السحر على الناس من شرور، وأوقع بينهم من عداوات، وأورث بينهم من أحقاد، وكم هدم من أسر، وأدخل من ضرر على العباد، ولا يمارسه إلا من باع دينه وذهب خلقه: ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } فينبغي للعاقل أن يجتبه أشد الاجتناب فلا يتعلمه مشافهة ولا قراءة من كتاب، ولا يأت ساحراً ولا يسأله فما وراءهم إلا الدمار والهلاك .
- آيات السحر في القرآن الكريم :
أيها الأخوة الكرام، آيات السحر في سورة البقرة، باعتبارها الأصل في أحكام السحر، ولأن بعض كتب التفسير قد شحنت بكثير من الأخبار الموضوعة المكذوبة في تفسير هذه الآيات، وسببُ نزول هذه الآيات أن الله تعالى أنزل إلى بني إسرائيل شريعة مباركة طيبة، هي شريعة التوراة، فتركوها، ونبذوها، واشتغلوا بالسحر الذي يعبدّهم للشيطان، فلما جاءتهم الشريعة الغراء التي أنزلها الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، استمروا على ضلالهم في إتباع السحر، والإعراض عن الشريعة، وزعموا أن نبي الله سليمان إنما سُخرت له الجن والإنس والطير بالسحر، فأنزل الله هذه الآيات ذاماً لهم، مبيناً كفرهم وضلالهم، مبرئاً عبده ونبيه سليمان مما رماه به أهل الضلال والبهتان: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ .
وذكر ابن الجوزي في زاد المسير قولاً عن ابن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات فقال: "إنه لما ذكر سليمان في القرآن قالت :
يهود المدينة: ألا تعجبون لمحمد يزعم أن ابن داود كان نبياً؟ والله ما كان إلا ساحراً فنزلت هذه الآيات".
وأما ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت وما روى عن علي وابن عباس وغيرهما فهذا كله من كذب اليهود.
وتفسير القاسمي يؤكد في قوله تعالى: ( وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُتَ ) .
أي هذه القصة لا أصل لها إطلاقاً، يقول الحافظ بن كثير: "والأحاديث والآثار الواردة في قصة هاروت وماروت لا أصل لها، وظاهر سياق القرآن الكريم هو إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال" .
قال بعض العلماء: "إن السحر لا يُعمل إلا مع كفر بالله".
قال الله تعالى : ( إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَنٌ ) . [ سورة الحجر الآية : 42 ] .
وقال الله تعالى : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِإذنِ اللهِ . [ سورة البقرة الآية : 102 ] .
لذلك عمل الساحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عدّه النبي عليه الصلاة والسلام من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفراً، ومنه ما لا يكون كفراً، بل معصية كبيرة إن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا.
وقال القرطبي: "قال أهل الصناعة: إن السحر لا يتم إلا مع الكفر والشرك، أو التعظيم للشيطان" ، إذاً فالسحر دال على الكفر
على هذا التقدير .
وقال بعض العلماء: "لما كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يتأتى السحر من دون الشرك أدخله المصنف في كتاب التوحيد ليحذر الناس من هذا العمل الكبير".
وقال ابن عابدين: "ولعل ما نُقل عن الأصحاب ـ أي القول بكفر الساحر ـ مبني على أن السحر لا يتم إلا بما هو كفر كما يفيده قوله تعالى:
﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ .
وقد أخبرنا القرآن أن سحرة فرعون كفروا بالله عز وجل، وتابوا إلى الله، وقَبِل الله توبتهم حين خروا ساجدين:
قال الله تعالى : قَالُوا أَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى . [ سورة طه : 70 ] .
لذلك عمل الساحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده
الآن ما حكم من يذهب إلى السحرة والعرافين والكهان؟ والجواب من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:
((من أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً )). [مسلم عَنْ حفصه رضي الله عنها ]
وفي الحديث الصحيح : ((من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم )). [أحمد والبيهقي والحاكم عَنْ أبي هريرة ]
قال صاحب فتح المجيد في شرح كتاب التوحيد: "وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدق العراف أو الكاهن بأي وجه كان" .
وفي الحديث الذي رواه البزار بإسناد جيد أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( ليس منا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهن أو تُكُهِّن له أو تسحر أو سُحر له ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)).
[ البزار عن عمران بن حصين]
قال شارح الحديث: ليس منا فيه وعيد شديد يدل على أن هذه الأمور من أكبر الكبائر.
- من هو العراف ومن هو الكاهن :
قال البغوي: "العراف هو الذي يدّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك".
وقال عالم آخر: "إن العراف اسمُ للكاهن والمُنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلمون في معرفة الأمور بهذه الطرق" .
وقال الإمام أحمد: "العرافة طَرف من السحر والساحر" .
وقال أبو السعادات: "العراف هو المنجم".
أما الكاهن فهو الذي يَّدعي علم الغيب.
سئل رسول الله هذا السؤال؛ ففي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: سأل أُناس رسول الله عن الكُهان؟ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليسوا بشيء ))، قالوا : يا رسول الله فإنهم يحدثوننا أحياناً الشيء يكون حقاً؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقذفها ، وفي رواية فيقرها في أذُن وليه قرَّ الدجاجة ـ أي يرددها في أذن الكاهن ـ فيخلطون فيها مائة كذبة)) . [ البخاري عن عائشة]
أيها الأخوة، لكن الحقيقة أن السحر والتنجيم والكهانة ليس مقصوراً على بلاد العرب المسلمين، بل هو أمر منتشر عند جميع الأمم.
خبر يلفت النظر صحيفة عربية تصدر في لندن، في عددها الخامس بعد المئتين ذكرت أن الرئيس الأمريكي ريجان وزوجته كانا يستعينان بالمنجمة في تحديد جدول الأعمال واتخاذ بعض القرارات .
وكان الرئيس الاندونيسي (سوهارتو) يجتمع بانتظام بالروحانيين والمشعوذين، وكان أحدهم يُقيم بصفة مستمرة في قصر الرئاسة .
واستشار الرئيس الفرنسي السابق جيسكار ديستان قارئاً للطالع في الانتخابات، قضية عامة وقد تصل إلى علية القوم، وإلى أضعف فئة في القوم عند المسلمين، وعند غير المسلمين.
ينبغي أن نحني جباهنا ذلاً وشكراً لله جلّ جلاله أن جعلنا موحدين، نعلم يقيناً أن الأمر كله بيد الله، وأن الملك لله، وأنه لا نافع ولا ضار إلا الله، ولا معطي ولا مانع إلا الله، ولا معز ولا مذل إلا الله، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فَلَا تَدعُ مَعَ اللهَ إِلَاهاً أَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ ) . [سورة الشعراء الآية : 213]
وأنه لا يقع شيء في هذا الكون كله إلا بأمره، وتحت سمعه وبصره، بل ما من ورقة تسقط من شجرة في هذا الكون إلا يعلمها، ويعلم ما في البر والبحر، ولا تخفى عليه خافية، هذا هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والإيمان بالسحر وقدرة الساحر على التنبؤ بالغيب، وتوهم المتوهم أن الساحر يوفق بين المرء وأهله، وأنه يزيد في الرزق، فهذا عين الضلال، وعين الحمق، وعين الغباء، وما عالجت هذا الموضوع ترفاً إلا لانتشار هذه الظاهرة في المجتمعات الإسلامية، أكثر من يعانون ما
يعانون من عدم استقامتهم يلجؤون إلى كاهن أو ساحر، وقد يكون في العالم الإسلامي على شكل شيخ، يتعاون مع الجن ويبتز، وقد ينتهك الأعراض، هذه الحقيقة المرة،
يقول الله عز وجل: (وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيبِ لاَ يَعلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَمَا تَسقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعلَمُهَا وَلا حَبَّهٍ فِي
ظُلُمَاتِ الأَرضِ وَلا رَطبٍ وَلاَيَابِسٍ إِلاَّ في كِتَابٍ مُّبينٍ ) . [ سورة الأنعام الآية : 59]
نحن كمؤمنين نعلم يقيناً أنه لا تستطيع قوة على ظهر الأرض أن تضر، أو أن تنفع، إلا بإذن الله جلّ وعلا، والأصل في هذا كله قول الله عز وجل بنص الآية الكريمة من أجل أن ترتاح القلوب وأن تطمئن النفوس، قال تعالى: ( وَمَا هُم بِضَآرِّينَ من أَحَدٍ إلاَّ بِإِذنِ اللهِ ) . [ سورة البقرة الآية : 102]
والقضية على الشكل التالي وحوش مخيفة، قاتلة، جائعة، لكنها مربوطة بأزمة محكمة بيد جهة قوية، عادلة، رحيمة، علاقتك ليس مع الوحوش، ولكن مع من يمسكها، فإذا قصرت لا سمح الله ولا قدر أو أسأت أو عصيت أرخى حبل أحد الوحوش: ( وَمَا هُم بِضَآرِّينَ من أَحَدٍ إلاَّ بِإِذنِ اللهِ ) [ سورة البقرة الآية : 102]
دليل آخر: بقوله تعالى : ( فَيكِدُنِي جَمِيعاً ثُمَّ لاتُنظِرُونِ <55> إِنِّي تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُو أخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّستَقِمٍ) . [ سورة هود الآية : 55-56 ]
فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
بيدك الخير، إيتاء الملك خير ونزع الملك خير، لكن نزع الملك نعمة باطنة، والإعزاز خير والإذلال خير لكنه نعمة باطنة:
قال الله تعالى : (عَلَيكُم نِعَمَهُ و ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَأَسبَغَ ) . [ سورة لقمان الآية : 20 ]
لو اجتمع سحرة أهل الأرض لا يستطيعون أن يؤثروا بسحرهم في مخلوق واحد إلا بإذن الله، علاقتك مع الله، اجعل الهموم هماً واحداً يكفك الهموم كله، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، وجِّه قلبك إلى ملك الملوك ومالك الملوك، إلى جبار السماوات والأرض، وتوكل عليه، وثق به، فهو المرتجى والملاذ، ولا حول ولا قوة إلا به، من توكل عليه كفاه، ومن اعتصم به نجاه، ومن فوّض إليه الأمر هداه، قال تعالى: ( أَلَيسَ اللهُ بِكَافٍ عَبدَهُ ) . [ سورة الزمر الآية : 36]
(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماوات بين يديه )) . [ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ] .
يا صاحب الهم إن الهم منفرج ابشر بخير فإن الفارج الله
كن عن همومك معرضا وكل الأمور إلى القضا
وابشر بخيــر عاجل تنسى به ما قـد مضى
فلرب أمر مسخـط لك في عواقبـــه رضا
ولربما ضاق المضيـق ولربما اتســع الفضا
اللـــه يفعل ما يشــــاء فـــلا تكـــــن معـــتــرضا
الله عــــودك الجـــمــيـــل فقس على ما قد مضى
* * *
يروي الإمام ابن الجوزي ـ رحمه الله تعالى ـ قال: "حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال التلميذ: أجاهده .قال الشيخ : فإن عاد؟! قال: أجاهده .قال الشيخ: فإن عاد؟! قال: أجاهده .فقال الشيخ: هذا يطول يا بني ولكن إن مررت بغنم فنبحك كلبها أو منعك من العبور فماذا تصنع؟ قال: أجاهده قال: يا بني هذا أمر يطول، استعن برب الغنم يكفك كلابه".
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ماذا وجد يا رب من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟ استعن بالله أيها الحبيب والجأ إليه، فهذا هو الحصن الحصين، والملاذ المكين، ولما كان الله هو خالقنا ومربينا ومسيرنا فلنتحصن به، هو الذي يعلم ضعفنا وعجزنا.
- طريق للوقاية من السحر ومس الجن :
أولاً : تحقيق التوحيد لله العزيز الحميد، وإخلاص العبودية له، والتوكل عليه، فقلب الموحد قد أشرق فيه مصباح التوحيد، وأزهر فيه نور الإيمان، ومن ثم يخرج منه الخوف من كل أحد إلا من الله عز وجل، بل لا ينفرد بالمحبة والخوف إلا لله عز وجل، صاحب هذا القلب في جنة: قال الله تعالى : ( وَلِمَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) . [ سورة الرحمن ] قال علماء التفسير: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة.
يقول بعض العلماء: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ لذلك في الدنيا جنة، جنة التوحيد، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقد قال تعالى: ( وَيُد خِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم ) . [ سورة محمد الآية : 6]
عرّفها لهم في الدنيا، ذاقوا طعمها في الدنيا، إنه التوحيد، أمرك بيد واحد، صحتك بيده، زوجتك بيده، أولادك بيده، رزقك بيده، من فوقك بيده، من تحتك بيده، من حولك بيده، هذا هو التوحيد.
مرة دخلت إلى مسجد فإذا لوحة تكاد تحتل مقدمة المسجد، تقرأ هذه اللوحة يقشعر جلدك هي آية كريمة يَدُ اللهِ فَوقَ أَيدِيِهِم ) . [ سورة الفتح الآية : 10 ]
هذا الذي تخافه هو في قبضة الله، هذا الذي تخشاه هو في قبضة الله:
كن مـع الله ترّ الله معك واتـرك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعه ثم من يعطـي إذا ما منعك
ثانياً : إن قوة الإيمان في القلب تضعف الشيطان :كلما زاد إيمان العبد ضعف تسلط الشيطان عليه، دققوا في قوله تعالى: ( إِنَّمَا استَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعضِ مَا كَسَبُوا ) . [ سورة آل عمران الآية : 155 ] .
وكلما عصى، قصر، حجب، فاستذله الشيطان أي جعله يذل، يروى أنه كانت شجرة تُعبد من دون الله، فجاء إليها رجل فقال: لأقطعن هذه الشجرة، فجاء ليقطعها غضباً لله فلقيه إبليس في صورة إنسان قال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تُعبد من دون الله. فقال: إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها؟ ـ الآن أكثر الكلام يقال: دعك من الناس ينبغي ألا يعنيك أمرهم، دعك منهم ـ فقال : لأقطعنها، فقال له الشيطان: هل لك فيما هو خير لك، لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت تجد الدينارين تحت وسادتك، قال: فمن أين لي بذلك؟ قال: أنا لك، فرجع فأصبح فوجد دينارين عند وسادته، ثم أصبح بعد ذلك فلم يجد شيئاً، فقام غضباً ليقطعها فتمثل له الشيطان قال: ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى. قال: كذبت مالك إلى ذلك سبيل، فذهب ليقطعها فضرب به الأرض وخنقه حتى كاد أن يقتله، قال : أتدري من أنا؟ أنا الشيطان جئت أول مرة غضباً لله فلم يكن لي عليك سبيل، فخدعتك بالدينارين فتركتها، فلما جئت غضباً للدينارين سلطت عليك.
أنت حينما تقاتل من أجل الدنيا، لا تستطيع أن تفعل شيئاً، أما حينما تغضب لله أنت أقوى إنسان، لذلك :
قال تعالى ( إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلطَانٌ عَلَى الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ <99> إِنَّمَا سُلطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّونَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشرِكُونَ ) . [ سورة النحل الآية : 99-100 ]
فالشيطان لا سلطان له على المؤمن: بقوله تعالى : ( إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ ) . [ سورة الحجر الآية : 42 ]
أنت في حصن حصين، أنت بالتوحيد في حصن حصين، أنت بالاستقامة في حصن حصين.
ثالثاً : ، كثرة ذكر الله تضعف الشيطان، وتقوي الإيمان، وترضي الرحمن، وهي الركن الركين، والحصن الحصين الذي يتحصن به الإنسان من الشيطان الرجيم: بقوله تعالى : ( يَا أيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا اذكُرُوا اللهَ ذِكراً كَثِيراً ) . [ سورة الأحزاب الآية 41
لذلك في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( مَثَل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت )) . [ البخاري عن أبي موسى الأشعري]
أنت حينما توحد، وحينما تستقيم، وحينما تكثر من ذكر الله، ليس للشيطان إليك سبيل، الحديث اليوم عن المعالجة، وعن الوقاية، لذلك قال النبي في حديث طويل: (( .... لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة)).[ مسلم عن أبي هريرة ] .
لذلك إذا دخل الرجل إلى بيته فلم يسلم قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت، طوال الليل مشاكل، وإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِ بالله
قال الشيطان: أدركتم العشاء، أيضاً لا يوجد بركة في الطعام، الآن دخل ولم يسلم، أكل ولم يسمِ قال الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء معاً.
هناك بيت كله مشاكل، سباب، ضرب، لعن، شتم، خصومة، عداء، قطيعة، قد تستمر شهراً، هذا من عمل الشيطان، ابحث عن المعصية، كيف أن ضباط الأمن الجنائي في أية جريمة يبحثون عن المرأة التي قد تكون وراء هذه الجريمة، أنا أقيس عليها ابحث عن المعصية: ((ما تواد اثنان، ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما )) [ أخرجه أحمد عن ابن عمر] .
لذلك التوحيد، الاستقامة، كثرة ذكر الله، ورد في بعض الأحاديث أنه : (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق )) . [ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله )) .[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده )) .[ورد في الأثر]
لذلك : (( .... لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان يفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة)).[ مسلم عن أبي هريرة]
ولكن قد ينصح بعض الدعاة من مسهم الشيطان بقراءة البقرة، ينبغي أن تقرأ بقلب حاضر لا بقلب ميت.
رابعاً : : قراءة آية الكرسي :
قراءة آية الكرسي إذا أويت إلى فراشك، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ((وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني محتاج وعليّ عيالٌ، ولي حاجة شديدة قال:فخليتُ عنه فأصبحتُ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟)). وكله النبي بحفظ أسير عنده،
قال : قلت يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله. قال : (( أما إنه قد كذبك وسيعود )). فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود فرصدته، فجعل يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟)). قلت : يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله. قال: (( أما قد كذبك وسيعود )). فرصدته الثالثة فجعل يحثو من الطعام فأخذته .فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا آخر ثلاث مرات تزعم أنك لا تعود ثم تعود.
قال دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ((اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ )) حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح.
فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما فعل أسيرك البارحة؟)). قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله. قال: ((ما هي؟)) قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب مُذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: لا قال: ((ذاك شيطان)).[ البخاري عن أبي بن كعب ]
يبدو أن آية الكرسي بنص حديث رسول الله الصحيح تبعدك عن وساوس الشيطان، وعن الكوابيس، والمنامات المزعجة،
والخوف، والقلق، والإحباط، والتشاؤم، لكن بمعناها، الله لا إله إلا هو، لا يوجد غيره، هو الغني، هو الرحيم، هو الرزاق
خامساً : ومن نصائح النبي عليه الصلاة والسلام قراءة الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة:
قال الله تعالى : ( أَمَنَ الرَّسُلُ بِمَآ أُنزِلَ إِليهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤمِنَ كُلٌّ أّمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ
وَقَالُوا سَمِعنَا وَأَطَعنَا رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِيرُ ) .
سادساً: قراءة المعوذات، ففي صحيح البخاري عن عائشة:
(( أن النبي كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: {قل هو الله أحد} وقل: {أعوذ برب الفلق} و{قل
أعوذ برب الناس} ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات))
.[ البخاري عن عائشة ]
وعن عبد الله بن خبيب ـ رضي الله عنه ـ قال:
(( خرجنا في ليلة مطيرة وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي لنا، قال: فأدركته، فقال: قل: فلم أقل شيئاً،
ثم قال: قل: فلم أقل شيئاً، قال: قل: قلت ما أقول؟ قال: قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، لم يكن له كفواً أحد ، والمعوذتين، حين تمسي وتصبح ثلاث مرات يكفك من كل شيء )) . [ النسائي وعن عبد الله بن خبيب رضي الله عنه ] .
وفي رواية ( ما تعوذ الناس بأفضل منها )).
وعن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال: (( بينما أنا أقود برسول الله صلى الله عليه وسلم راحلته في غزوة إذ قال: (( يا عقبة قل )) فاستمعت، ثم قال: (( يا عقبة قل )) فاستمعت، فقالها الثالثة: فقلت: ما أقول؟ فقال: (( قل هو الله أحد)) فقرأ السورة
حتى ختمها، ثم قرأ: (( قل أعوذ برب الفلق )) وقرأت معه حتى ختمها ثم قرأ: ((قل أعوذ برب الناس )) فقرأت معه حتى ختمها
ثم قال: (( ما تعوذ بمثلهن أحدٌ)). [ مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه] .
إلا بالمعنى الدقيق وقاه الله من كل شر، وفي صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام : (( من قال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، في اليوم مئة مرة كانت له عدل
عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومُحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك )).[ البخاري عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، هذه بعض توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام في مواجهة وساوس الشيطان، وفي مواجهة السحرة والكهان، وفي مواجهة العرافين والكذابين، ما ذكرت هذه الخطبة إلا لكثرة ما انتشر بين المسلمين من لجوء الجاهلات الغافلات، ولجوء الجاهلين والغافلين إلى العرافة، والسحرة، والمشعوذين، وقد ذكرت لكم في الخطبة السابقة قصة تقشعر منها الأبدان عن هذا الذي انتهك أعراض مئات النساء، وصورهن باسم فك السحر والشعوذة وما إلى ذلك.
وفي الختام ندعو لله تعالى : اللهم أهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم أهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا
قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين .

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2727


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
#273 Saudi Arabia [محمد الحجار]
1.00/5 (6 صوت)

02-23-2011 10:20 PM
بسمالله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على اشرف الخلق والمرسلين وعلى اله وصحبه اجمعين
اخي ابو محمد السباعي جزاك الله خيرآ عن جميع المسلمين عندما شاهدة
اسمك وقرأت الموضوع قلت من الواجب ان اسلم عليك واشكرك مع اجل الاحترام للأ دارة الموقرة

بارك الله بك اخي محمد الحجار وشكرا لتعليقك الجميل


السيد ماهر السباعي
السيد ماهر السباعي

تقييم
2.06/10 (11 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

المجمع العالمي لأنساب آل البيت
جميع الحقوق محفوظة للمجمع العالمي لأنساب آل البيت